فصل: قال ابن الجوزي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فهذا وجه حسن في النظم.
وقيل: المراد إن من أول السورة إلى هذا الموضع في بيان المنع من مخالطة الكفار والمنافقين، ووجوب مباينتهم، والاحتراز عن موالاتهم، فكأنه قيل: إن الإله الرحيم الكريم كيف يليق به هذا التشديد الشديد في حق هؤلاء الكفار والمنافقين؟ فأجيب عنه بأنه تعالى لا يؤاخذ أقوامًا بالعقوبة بعد إذ دعاهم إلى الرشد حتى يبين لهم ما يجب عليهم أن يتقوه، فأما بعد أن فعل ذلك وأزاح العذر وأزال العلة فله أن يؤاخذهم بأشد أنواع المؤاخذة والعقوبة.
وفي قوله تعالى: {لِيُضِلَّ} وجوه: الأول: أن المراد أنه أضله عن طريق الجنة، أي صرفه عنه ومنعه من التوجه إليه.
والثاني: قالت المعتزلة: المراد من هذا الإضلال الحكم عليهم بالضلال.
واحتجوا بقول الكميت:
وطائفة قد أكفروني بحبكم.. وقال أبو بكر الأنباري: هذا التأويل فاسد، لأن العرب إذا أرادوا ذلك المعنى قالوا: ضلل يضلل، واحتجاجهم ببيت الكميت باطل، لأنه لا يلزم من قولنا أكفر في الحكم صحة قولنا أضل.
وليس كل موضع صح فيه فعل صح أفعل.
ألا ترى أنه يجوز أن يقال كسره، ولا يجوز أن يقال أكسره، بل يجب فيه الرجوع إلى السماع.
والوجه الثالث: في تفسير الآية، وما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم بعد الهدى، حتى يكون منهم الأمر الذي به يستحق العقاب.
المسألة الثانية:
قالت المعتزلة: حاصل الآية أنه تعالى لا يؤاخذ أحدًا إلا بعد أن يبين له كون ذلك الفعل قبيحًا، ومنهيًا عنه.
وقرر ذلك بأنه عالم بكل المعلومات، وهو قوله: {إِنَّ الله بِكُلّ شيء عَلِيمٌ} وبأنه قادر على كل الممكنات، وهو قوله: {لَهُ مُلْكُ السموات والأرض يحي ويميت} فكان التقدير: أن من كان عالمًا قادرًا هكذا، لم يكن محتاجًا، والعالم القادر الغني لا يفعل القبيح والعقاب قبل البيان.
وإزالة العذر قبيح، فوجب أن لا يفعله الله تعالى، فنظم الآية إنما يصح إذا فسرناها بهذا الوجه، وهذا يقتضي أنه يقبح من الله تعالى الابتداء بالعقاب وأنتم لا تقولون به.
والجواب: أن ما ذكرتموه يدل على أنه تعالى لا يعاقب إلا بعد التبيين، وإزالة العذر وإزاحة العلة، وليس فيها دلالة على أنه تعالى ليس له ذلك، فسقط ما ذكرتموه في هذا الباب. اهـ.

.قال السمرقندي:

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ}
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله تعالى عليه الفرائض، ففعل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون.
ثم إن الله تعالى أنزل ما ينسخ الأمر الأول، وقد غاب الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يبلغهم ذلك، فعملوا بالمنسوخ، وكانوا يصلون إلى القبلة الأولى ولا يعلمون، ويشربون الخمر ولا يعلمون تحريمها، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} وإن عملوا بالمنسوخ، {حتى يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ}، يعني: ما نسخ من القرآن، يعني: إنه قبل منهم ما عملوا بعد النسخ ولا يؤاخذهم بذلك.
ويقال: وما كان الله ليهلك قومًا، حتى يقيم عليهم الحجة ويقال: ليُعَذِّبَهُمْ في الآخرة، يعني: يبين لهم ما يتقون.
ويقال: لا يتركهم بلا بيان بعد أن أكرمهم بالإيمان، حتى يبيِّن لهم ما يحتاجون ويقال لا ينزع الإيمان عنهم بعد أن هداهم إلى الإيمان حتى يبين لهم الحدود والفرائض، فإذا تركوا ذلك ولم يروه حقًا، عذبهم الله تعالى ونزع عنهم المعرفة.
ويقال: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا} على الابتداء {حتى يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} فيصيروا فيه ضلالًا.
وهذا طريق المعتزلة والطريق الأول أصح وبه نأخذ.
ثم قال: {إن الله بِكُلّ شيء عَلِيمٌ}، يعني: عليم بكل ما يصلح للخلق. اهـ.

.قال الثعلبي:

{وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ}
يقول: وما كان الله ليحكم عليكم بالضلال بعد استغفاركم للمشركين قبل أن يتقدم إليكم بالنهي.
قال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة، وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة، فافعلوا أو ذروا.
وقال مقاتل والكلبي: لما أنزل الله تعالى الفرائض فعمل بها الناس ثم نسخها من القرآن وقد غاب (ناس) وهم يعملون للأمر الأول من القبلة والخمر وأشباه ذلك، فسألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} يعني وما كان الله ليبطل عمل قوم عملوا بالمنسوخ {حتى يُبَيِّنَ لَهُم} قال الضحاك: ما كان الله ليضل قومًا حتى يبين لهم ما يأتون وما يذرون {إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} الآية.
سبب نزولها أن قومًا من الأعراب أسلموا وعادوا إلى بلادهم فعملوا بما شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمله من الصلاة إلى بيت المقدس وصيام الأيام البيض، ثم قدموا بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدوه يصلي إلى الكعبة ويصوم شهر رمضان: فقالوا: يا رسول الله أضلنا الله بعدك بالصلاة. إنك على أمر وإنا على غيره فأنزل الله تعالى هذه الآية. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {وما كان الله ليضل قومًا} الآية.
معناه التأنيس للمؤمنين، وقيل: إن بعضهم خاف على نفسه من الاستغفار للمشركين دون أمر من الله تعالى فنزلت الآية مؤنسة، أي ما كان الله بعد أن هدى إلى الإسلام وأنقذ من النار ليحبط ذلك ويضل أهله لمواقعتهم ذنبًا لم يتقدم منه نهي عنه، فأما إذا بين لهم ما يتقون من الأمور ويتجنبون من الأشياء فحينئذ من واقع بعد النهي استوجب العقوبة، وقيل: إن هذه الآية إنما نزلت بسبب قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا غيبًا فحولت القبلة فصلوا قبل أن يصلهم ذلك إلى بيت المقدس، وآخرين شربوا الخمر بعد تحريمها قبل أن يصل إليهم، فخافوا على أنفسهم وتكلموا في ذلك فنزلت الآية، والقول الأول أصوب وأليق بالآية، وذهب الطبري إلى أن قوله، {يحيي ويميت} إشارة إلى أنها يجب أيها المؤمنون ألا تجزعوا من عدو وإن كثر، ولا تهابوا أحدًا فإن الموت المخوف والحياة المحبوبة إنما هما بيد الله تعالى.
قال القاضي أبو محمد: والمعنى الذي قال صحيح في نفسه ولكن قوله، إن القصد بالآية إنما هو لهذا قول يبعد، والظاهر في الآية إنما هو لما نص في الآية المتقدمة نعمته وفضله على عبيده في أنه متى منّ عليهم بهداية ففضله أسبغ من أن يصرفهم ويضلهم قبل أن تقع منهم معصية ومخالفة أمر أتبع ذلك بأوصاف فيها تمجيد الله عز وجل وتعظيمه وبعث النفوس على إدمان شكره والإقرار بعبوديته. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ}
سبب نزولها: أنه لما نزلت آية الفرائض، وجاء النسخ، وقد غاب قوم وهم يعلمون بالأمر الأول مثل أمر القبلة والخمر، ومات أقوام على ذلك، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس.
وقال قوم: المعنى أنه بيَّن أنه لم يكن ليأخذهم بالاستغفار للمشركين قبل تحريمه، فإذا حرَّمه ولم يمتنعوا عنه، فقد ضلوا.
وقال ابن الأنباري: في الآية حذف واختصار، والتأويل: حتى يتبين لهم ما يتقون، فلا يتقونه، فعند ذلك يستحقون الضلال؛ فحذف ما حذف البيان معناه، كما تقول العرب: أمرتك بالتجارة فكسبتَ الأموال؛ يريدون: فتجرت فكسبت. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} أي ما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم بعد الهُدَى حتى يُبيّن لهم ما يتّقون فلا يتقوه، فعند ذلك يستحقون الإضلال.
قلت: ففي هذا أدلّ دليل على أن المعاصي إذا ارتكبت وانتهك حجابها كانت سببًا إلى الضلالة والردى، وسُلَّما إلى ترك الرشاد والهدى.
نسأل الله السداد والتوفيق والرشاد بمنّه.
وقال أبو عمرو بن العلاء رحمه الله في قوله: {حتى يُبَيِّنَ لَهُم}: أي حتى يحتج عليهم بأمره؛ كما قال: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} [الإسراء: 16] وقال مجاهد: {حَتَّى يُبَيِّن لَهُمْ} أي أمر إبراهيم؛ ألا يستغفروا للمشركين خاصّة ويبيّن لهم الطاعة والمعصية عامة.
وروي أنه لما نزل تحريم الخمر وشدّد فيها سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم عمن مات وهو يشربها، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حتى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} وهذه الآية رد على المعتزلة وغيرهم الذين يقولون بخلق هداهم وإيمانهم؛ كما تقدّم. اهـ.

.قال الخازن:

{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} يعني: وما كان الله ليقضي عليكم بالضلال بسبب استغفاركم لموتاكم المشركين بعد أن رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله وذلك أنه لما منع المؤمنين من الاستغفار للمشركين وكانوا قد استغفروا لهم قبل المنع خافوا ما صدر منهم فأعلمهم أن ذلك ليس بضائرهم {حتى يبين لهم ما يتقون} يعني ما يأتون وما يذرون وهو أن يقدم إليهم النهي عن ذلك الفعل فأما قبل النهي فلا حرج عليهم في فعله وقيل: إن جماعة من المسلمين كانوا قد ماتوا قبل النهي عن الاستغفار للمشركين فلما منعوا من ذلك وقع في قلوب المؤمنين خوف على من مات على ذلك فأنزل الله هذه الآية وبين أنه لا يؤآخذهم بعمل إلا بعد أن يبين لهم ما يجب عليهم أن يتقوه ويتركوه.
وقال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة.
وقال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة.
وقال الضحاك: وما كان الله ليعذب قومًا حتى يبين لهم ما يأتون وما يذرون.
وقال مقاتل والكلبي: هذا في أمر المنسوخ وذلك أن قومًا قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا قبل تحريم الخمر وصرف القبلة إلى الكعبة ورجعوا إلى قومهم وهم على ذلك ثم حرمت الخمر وصرفت القبلة إلى الكعبة ولا علم لهم بذلك ثم قدموا بعد ذلك إلى المدينة فوجدوا الخمر قد حرمت والقبلة قد صرفت إلى الكعبة فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن على ضلال فأنزل الله: {وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم} يعني وما كان الله ليبطل عمل قوم وقد عملوا بالمنسوخ حتى بين الناسخ {إن الله بكل شيء عليم} يعني أنه سبحانه وتعالى عليم بما خالط نفوسكم من الخوف عندما نهاكم عن الاستغفار للمشركين ويعلم ما يبين لكم من أوامره ونواهيه. اهـ.

.قال أبو حيان:

{وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} مات قوم كان عملهم على الأمر الأول: كاستقبال بيت المقدس، وشرب الخمر، فسأل قوم الرسول بعد مجيء النسخ ونزول الفرائض عن ذلك فنزلت.
وقال الكرماني: أسلم قوم من الأعراب فعملوا بما شاهدوا الرسول يفعله من الصلاة إلى بيت المقدس، وصيام الأيام البيض، ثم قدموا عليه فوجوده يصلي إلى الكعبة ويصوم رمضان، فقالوا: يا رسول الله دنا بعدك بالضلال، إنك على أمرٍ وأنا على غيره فنزلت.
وقيل: خاف بعض المؤمنين من الاستغفار للمشركين دون إذن من الله فنزلت الآية مؤنسة أي: ما كان الله بعد أن هدى للإسلام وأنقذ من النار ليحبط ذلك ويضل أهله لمقارفتهم ذنبًا لم يتقدم منه نهي عنه.
فأما إذ بين لهم ما يتقون من الأمر، ويتجنبون من الأشياء، فحينئذ من واقع بعد النهي استوجب العقوبة.
وقال الزمخشري: يعني ما أمر الله باتقائه واجتنابه كالاستغفار للمشركين وغيره مما نهى عنه، وبين أنه محظور، ولا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام، ولا يسميهم ضلالًا ولا يخذلهم إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره عليهم، وعلمه بأنه واجب الاتقاء والاجتناب، وأما قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم، كما لا يؤاخذون بشرب الخمر ولا ببيع الصاع بالصاعين قبل التحريم.